صديق الحسيني القنوجي البخاري

113

فتح البيان في مقاصد القرآن

ومعنى ذو العرش مالكه وخالقه ، والمتصرف فيه ، خلقه مطافا للملائكة ، وجعله فوق سماواته وذلك يقتضي علو شأنه وعظم سلطانه ، ومن كان كذلك فهو الذي تحق له العبادة ، ويجب له الإخلاص . وجملة يُلْقِي الرُّوحَ في محل رفع على أنها خبر آخر للمبتدأ المتقدم أو للمقدر أي ينزل الوحي وسمي الوحي روحا لأن الناس يحيون به من موت الكفر ، كما تحيا الأبدان بالأرواح ، ومثل هذه الآية قوله تعالى : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [ الشورى : 52 ] وقيل الروح جبريل كما في قوله : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [ الشعراء : 193 ، 194 ] وقوله نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [ النحل : 102 ] ، وقوله مِنْ أَمْرِهِ متعلق بيلقي ، ومن لابتداء الغاية ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من الروح أو المعنى من أجل أمره ، أو بأمره أو من قضائه . عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وهم الأنبياء لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ قرأ الجمهور مبنيا للفاعل ونصب اليوم والفاعل هو اللّه سبحانه أو الرسول أو من يشاء والمنذر به محذوف أي لينذر العذاب يوم التلاق ، وقرىء لتنذر بالفوقية على أن الفاعل ضمير المخاطب وهو الرسول ، أو ضمير يرجع إلى الروح لأنه يجوز تأنيثها ، وقرىء على البناء للمفعول ، ورفع يوم على النيابة ، والتلاق بحذف الياء وإثباتها وقفا ووصلا ، وتوجيه ذلك ذكره الفاسي في شرح الشاطبية فليراجع . والمعنى يوم يلتقي أهل السماوات والأرض في المحشر ، وبه قال قتادة ، وقال أبو العالية ومقاتل : يوم يلتقي العابدون والمعبدون ، وقيل الظالم والمظلوم ، وقيل يلتقي الخلق والخالق ، وقيل الأولون والآخرون ، وقيل جزاء الأعمال والعاملون . قال ابن عباس : يوم التلاق يوم القيامة يلتقي فيه آدم وآخر ولده ، وعنه قال : هو يوم الآزفة ونحو هذا من أسماء يوم القيامة عظمه اللّه وحذر عباده منه . يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ أي خارجون من قبورهم لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء ، لكون الأرض يومئذ قاعا صفصفا ، ولا ثياب عليهم وإنما هم عراة مكشوفون ، كما في الحديث : « يحشرون عراة حفاة غرلا » « 1 » ، وهو بدل من يوم التلاق ، بدل كل من كل ، ويوم ظرف مستقبل كإذا مضاف إلى الجملة الاسمية على طريقة الأخفش ، وحركة يوم حركة إعراب على المشهور وقيل حركة بناء كما ذهب

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 8 ، 48 ، وتفسير سورة 5 ، باب 14 ، وسورة 21 ، باب 2 ، ومسلم في الجنة حديث 58 ، والترمذي في القيامة باب 3 ، وتفسير سورة 80 ، باب 2 ، والنسائي في الجنائز باب 118 ، 119 ، وأحمد في المسند 1 / 223 ، 229 ، 235 ، 253 ، 3 / 495 ، 6 / 53 .